ابن قيم الجوزية
374
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 118 إلى 119 ] إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) تأمل كيف قابل الجوع بالعرى ، والظمأ بالضحى . والواقف مع القالب ربما يخيل إليه : أن الجوع يقابل بالظمأ ، والعرى بالضحى . والداخل إلى بلد الفقه عن اللّه : يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن ، والعرى ألم الظاهر ، فهما متناسبان في المعنى ، وكذلك الظمأ مع الضحى ، لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن ، والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا . [ سورة طه ( 20 ) : آية 124 ] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه وماله من الرغد وطيب الحياة في معاشه ومعاده أخبر عن حال من أعرض عن الهدى ولم يتبعه ، فقال : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أي عن الذكر الذي أنزلته ، فالذكر هنا مصدر مضاف إلى الفاعل ، كقيامي وقراءتي ، لا إلى المفعول ، وليس المعنى : ومن أعرض عن أن يذكرني ، بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره . وأحسن من هذا الوجه : أن يقال : الذكر هاهنا مضاف إضافة الأسماء ، لا إضافة المصادر إلى معمولاتها . والمعنى : ومن أعرض عن كتابي ولم يتبعه ، فإن القرآن يسمى ذكرا ، قال تعالى : 21 : 50 وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ وقال تعالى : 3 : 58